ابن العربي

93

أحكام القرآن

وتأوّله علماؤنا : قاربت الصباح ، وقاربت تبيّن الخيط ، وهو الأشبه بوضع الشريعة وحرمة العبادة ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : يوشك من يرعى حول الحمى أن يقع فيه . وإذا جاء الليل فأكلت لم تخف مواقعة محظور ، وإذا دنا الصباح لم يحلّ لك الأكل لأنه ربما أوقعك في المحظور غالبا . المسألة الثانية عشرة - إذا تبيّن الليل سنّ الفطر شرعا ، أكل أو لم يأكل ؛ فإن ترك الأكل لعذر أو لشغل جاز ، وإن تركه قصدا لموالاة الصيام قربة اختلف العلماء ؛ فممّن رآه جائزا عبد اللّه بن الزبير ، كان يصوم الأسبوع ويفطر على الصبر ، ورآه الأكثر حراما لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبّه بأهل الكتاب . والصحيح أنه مكروه ؛ لأن علّة تحريمه معروفة ، وهي ضعف القوى وإنهاك الأبدان . وروى الأئمة أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم نهى عن الوصال ، فقال رجل من المسلمين : فإنك تواصل ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وأيّكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني . فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ويوما ، ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخّر الهلال لزدتكم ، كالمنكّل لهم حين أبوا أن ينتهوا ؛ وهذا يدلّ على أنّ ذلك لم يكن محرّما ، وإنما كان شفقة عليهم ، فلذلك لم يقبلوه ، ولو كان حراما ما فعلوه . وروى البخاري « 1 » عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تواصلوا ؛ فأيّكم أراد الوصال فليواصل ، حتى السّحر . وهذه إباحة لتأخير الفطر ، ومنع من إيصال يوم بيوم . المسألة الثالثة عشرة - لما قال اللّه تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ : بيّن بذلك محظورات الصيام ؛ وهي الأكل ، والشرب ، والجماع . فأما ظاهر المباشرة « 2 » التي هي اتصال البشرة بالبشرة فاختلف العلماء فيها على أربعة أقوال : الأول أنها حرام . الثاني أنها مباحة . الثالث أنها مكروهة . الرابع أنها منقسمة بين من يخاف على نفسه التعرّض لفساد الصوم وبين من يأمن ذلك على نفسه .

--> ( 1 ) صحيح البخاري 3 - 46 ( 2 ) في هامش م هنا : مسألة مباشرة الصائم دون جماعة .